عين القضاة

مقدمة 96

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

السماوات والأرض ونفذ من أقطارها ؛ فلمّا رجع إلى مستقرّه في خارج الحجب ، كان ذلك العلم عنده سرا كما كان قبل ذلك ؛ وإنما كان علانية له من وراء الحجب . وعلى الجملة فالسر سر أبدا حيث هو سر ، والعلانية علانية أبدا حيث هي علانية لا يتغيّران إلا بتغيّر أحوال السالكين . وإلى مثل ذلك أشير بقوله - تعالى - : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ، فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها » أي إن كان سر القيامة علانية لك ليلة المعراج ، فما الذي بقي على ذكرك وفي علمك ؟ ومن تصرف ببضاعة العقل في هذه الألفاظ ، فقد ظلم نفسه . وإياك يا مسكين أن تدع خاطرك يحوم حول التكذيب بذلك أو التشكك فيه ، فتكفر بما انزل اللّه على أنبيائه . فلولا أنت وأمثالك من العميان لما خوطب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بقوله - تعالى - : « وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ » . الفصل الخامس والتسعون ( هل ينبغي لكل عاقل ان يصل في الدنيا إلى الطور الذي وراء العقل ) فإن قلت فهل تقول : أن كل عاقل فلا بدّ وأن يصل إلى الطور الذي وراء العقل ، كما أن كل طفل رضيع فلا بدّ وأن يصل إلى طور التمييز إذا حان وقته ؟ فاعلم أن الأطوار كثيرة ولا بدّ وأن يصل كل واحد من الخلق إلى طور ما وراء العقل ، وإن كان بعد الموت ؛ فأما أن يصل الكل إلى أطوار ممكنة في حق البعض ، فلا يجوز ؛ لا بل الواجب الحق أن يصل واحد من الخلق إلى أطوار كثيرة وراء العقل وهو بعد في دنياه